SharePoint

العلاقات السعودية الصينية

تضرب العلاقات السعودية الصينية في أعماق التاريخ، فقد تواصل العرب والصينيون منذ قرون عديدة. ففي القرن الأول قبل الميلاد وصل البحارة والتجار العرب إلى جنوب الصين، وازدهرت تجارة الاواني الخزفية والبخور والصمغ والنسيج بين الجانبين، حيث كان البحارة العرب يهيمنون على مثلث التجارة في بحر العرب بين شرق أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية والخليج من جهة، وبين السواحل الغربية للهند من جهة أخرى. وحين اتسع طموح هؤلاء البحارة إلى الإبحار شرقاً إلى ماوراء الشواطئ الهندية، وصلوا إلى جزر جنوب شرق آسيا، ومن هناك وصلوا عن طريق الملايو الى الموانئ الصينية الجنوبية.وتشير بعض الدلائل التاريخية عن زيارات بعض البحارة والتجار الصينيين الى الموانئ الجنوبية للجزيرة العربية وإلى موانئ الشاطئ الشرقي للبحر الاحمر، ولعل من أشهر هذه الرحلات الرحلة التي قام بها البحارة الصيني المسلم (زنج هي) في عدة رحلات بحرية خلال حكم (أسرة منج) عام 1405م الى 37 بلداً في جنوب أسيا وسواحل جزيرة العرب وأفريقيا، حيث زار كذلك سواحل الخليج العربي ومكة المكرمة.
ومن خلال هذا التداخل الحضاري والتجاري بين الجانبين تعرف جزء من الشعب الصيني على الثقافة العربية وعلى الحضارة الإسلامية، ودخلوا في دين الإسلام. وهكذا كانت التجارة الإقليمية تحمل طابعاً ثقافياً وحضارياً أثر في تاريخ الشعبين العربي والصيني وترك بصمات عميقة على حياة الناس وثقافتهم وذاكرتهم الاجتماعية.
وانتشر الإسلام منذ القرن السادس الميلادي وحتى اليوم في أرجاء الصين، حيث دخل في دين الإسلام زهاء عشرين مليون مسلم صيني، يصلون في 34 ألف مسجد، ويؤمهم حوالي 35 ألف إمام، ويدرسون في 10 كليات إسلامية، والعديد من المدارس الإسلامية الأخرى في أرجاء متعددة من البلاد.
وفي العصر الحديث تعاطفت جمهورية الصين الشعبية مع القضايا العربية، وكانت من أوائل الدول التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية، ودعمتها في سائر المحافل الدولية. واستمر تبادل السلع والتجارة بين الجانبين السعودي والصيني، حتى وإن لم تكن العلاقات الدبلوماسية قائمة. واعطي تبادل التمثيل الدبلوماسي بينها عام 1990م دفعة قوية للعلاقات الثنائية فزادت التجارة البينية بينهما، حتى بلغت أكثر من 14,5 بليون دولار عام 2005 م.
ومن ناحية سياسية فقد تبنت حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز سياسة انفتاح سياسي واقتصادي واسع مع بلدان شرق آسيا، وخاصة مع الصين. فقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بزيارة إلى عدد من تلك البلدان، حين كان ولياً للعهد، وكان من أهمها زيارته إلى جمهورية الصين الشعبية في أكتوبر عام 1998 م ، حيث التقى سموه حينئذ فخامة الرئيس الصيني (جيانج زمين) ، وكذلك فخامة رئيس الوزراء الصيني. وفي العام الذي يليه نوفمبر 1999م قام فخامة الرئيس الصيني بزيارة رسمية إلى المملكة كما زار سمو ولي العهد الامير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- الصين في أكتوبر من عام 2000م وأجرى محادثات مهمة سياسية واستراتيجية مع القادة الصينيين.
وتبادل القادة وجهات النظر الخاصة بإقامة سلام دائم يقوم على العدل في المنطقة العربية، وعودة الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وتحرير الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس الشريف، كأساس وقاعدة لبناء سلام دائم وعادل يضمن عودة الاستقرار الى هذا الجزء الهام من العالم.
وأقر الجانبان بضرورة اعتماد عملية السلام في الشرق الأوسط على مبدأ الأرض مقابل السلام، وأيدت الصين في الأمم المتحدة منذ عدة عقود الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في إنشاء دولته المستقلة.
وحين زار فخامة وزير الخارجية الصيني (لى زاو زنج) مدينة جدة في 8 سبتمبر 2004م، اتفق الجانبان على بدء حوار سياسي منتظم، وتشكيل لجنة سعودية - صينية مشتركة برئاسة وزيري الخارجية في البلدين الصديقين. ومنذ نهاية التسعينات وحتى الوقت الحاضر، تسارعت وتيرة اللقاءات والاجتماعات الثنائية بينهما، وتوج ذلك بزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله إلى الصين في 22 - 24 يناير 2006م. وكانت هذه أول زيارة يقوم بها عاهل سعودي إلى الصين. وقد ضم الوفد عددا كبيراً من المسؤولين السعوديين ورجال الاعمال وحوالي 20 مثقفاً وصحافياً سعودياً.
وقد وقع جلالته وفخامة لرئيس الصيني (هو جينتاو) على خمس اتفاقيات خاصة بالتعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي المشترك. كما شملت هذه الاتفاقيات بنوداً خاصة بالتعاون في مجال النفط والغاز والمعادن، حيث تعد الصين ثاني أكبر مستهلك نفط في العالم، وتستورد 17% من احتياجاتها من المملكة.
وتعتبر الصداقة والشراكة بين الجانبين السعودي والصيني ذات أبعاد ثقافية وحضارية. فقد بدأت بالفعل وزارة التعليم - التعليم العالي السعودية بفتح المجال أمام الطلبة الدارسين لتلقي دراساتهم الجامعية والعليا في الجامعات الصينية. كما وقع الصندوق السعودي للتنمية اتفاقيات لتطوير بعض مناحي التخطيط العمراني والحضري لمدينة (أكسو) الصينية، واتفق الطرفان السعودي والصيني على التعاون كذلك في مجال التدريب المهني.
وترتبط المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية بعلاقات قوية في مجال الطاقة. فلقد منحت المملكة عام 2004م امتياز تنقيب عن الغاز لشركة (سينوبك) الصينية، ويشمل الامتياز منطقة تمتد إلى مساحة 40 كم2 في صحراء الربع الخالي، وتشترك شركة أرامكو السعودية في ملكية 20% من رأس مال الشركة الجديدة التي أنشأت لهذا الغرض.
كما اشتركت شركة أرامكو مع شركة (سينوبك) الصينية في يوليو من عام 2005م في ملكية 45% من مصفاة صغيرة للنفط في شمال شرق الصين. ودخلت الشركة مع شركة (فوجيان) للبتروكيماويات في نفس السنة، في مشروع مشترك مع شركة (إكسون موبيل) لإقامة مجمع ضخم للبتروكيماويات في الصين، بتكلفة تبلغ 3,5 بليون دولار . كما شمل مشروع شركة فوجيان تسويق المواد النفطية في حوالي 600 محطة للبنزين تمتلكها الشركة الجديدة.
وهناك تعاقدات وتبادلات تجارية وصناعية في مجال صناعة الأسمنت والاتصالات والبنية التحتية أبرمت بمليارات الدولارات عام 2005م بين الشركات السعودية والشركات الصينية المناظرة.
ولا شك ان هذه العلاقات المزدهرة بين البلدين الصديقين تعكس رؤية استراتيجية مشتركة، كما تعبر عن رغبة لتعميق العلاقات التاريخية بين شعب المملكة العربية السعودية وشعب جمهورية الصين الشعبية في جميع المجالات، بما يخدم المصالح العليا للبلدين الصديقين.​